RSS

الشعر خرج عن مساره حينما انتقل من الذات إلى المجتمع!!

19 نوفمبر

حوار – عطاالله العمراني

    لم تأخذه حياة الثقافة وإدارتها عن القصيدة، حينما داهم صمتها ذات ألم وكتب مفزعاً العبارة ومبهجاً الحروف في حياة الشعر الطويلة.. كتب الشعر والنثر ومارست أنامله البحث عن الجمال في كل شيء، حتى الرسم والتصوير، وكان غيابه ممتلئاً بتجارب مختلفة، يرى أنه أبدع في بعضها وأخفق في البعض الآخر.. ولكنه يرى في تجربة ثراء لروحه وقلمه وإحساسه بالعالم.. تألق في قصيدة التأمل والفلسفة وكذلك قصيدة المناسبة ولم يكن ذلك الشاعر الحديث الذي ذهب للكتابة الغامضة هرباً من الوضوح أو عجزاً عنه، ولكنه تكامل مع تجربته وواقعه، حتى أنجز مشروعاً شعرياً إبداعياً جعله يختلف عن الكثير من الأسماء من جيله.. بعد لحظة صمت طويلة يتكلّم شاعرنا المعروف الدكتور نايف الجهني.. ويظهر من خلال إجاباته برؤية الناقد الشاعر العاشق للقصيدة.. التقيناه في رحلة بريّة إبداعية في صحراء تبوك ذات شتاء وكان هذا البوح..

* نايف الجهني.. اسم له نكهته المميزة.. حضر لسنوات وبدأ الآن يمارس الابتعاد المقصود عن الساحة.. كيف تراه الآن ولماذا الغياب؟

أراه مبتهجاً بالشعر والحياة، مسكوناً بوجع القصيدة اللذيذ، أراه يتنفس الشعر بعيداً عن الضجيج، يطير أسراب القصائد في فضاء آخر، يعتني بغيابه كما يعتني بحضوره، أرى الشعر يفتح له آفاق الكون ليطل على تجارب وممارسات مختلفة، تبعد أحياناً عن الشعر وتقترب منه في كثير من الأحيان.. أراه طائراً يحلّق دونما ارتهان لسماء أو لجناح أو لفكرة.

* من هناك حيث كنتم تتألقون في سماء الشعر.. بدأتم ترتدون نحو الغياب.. ما السبب؟

أولا.. يمكن لهذا الغياب أن يكون أفقاً لبحث عن توهج جديد وفضاء يفتح لذاكرة الحضور دهشة أخرى.. كان الشعر هو الكائن الوحيد الذي يقودنا لنا.. كنا نتوق من خلاله لرؤية كل الأشياء.. أما الآن فقد أصبح هناك كائنات أخرى تشارك الشعر حضوره في حياتنا.. حتى في حياة الشعراء، نعم لم يعد الشعر كما كان جهة العمر الوحيدة رغم أنه أهم جهة في جهات حسه الداخلي وعلاقته بالكون، ربما هذا الشعور هو الذي فتح للغياب باباً تتأرجح حكايته بين الفتح والإغلاق.. ولكن يلبسنا شعور أيضا في أحيان كثيرة حول علاقتنا بالقصيدة وكيف أصبحت، فلم تعد كما كانت.. من حيث الحماس نحوها، أو لنقل من حيث ما تحمله في وعيها وبشكلها الحالي..

* تحضر فقط من خلال الشعر.. هذه العبارة يمكن أن تفسّر إجابتك أكثر.. لماذا لا يكون حضورك نقدياً كما عرفناك ناقداً مميزاً؟

ربما لم يكن لدي توق للكتابة النقدية سابقاً.. إلا من خلال انغماسي بماء القصيدة وسبر غورها بحثاً عن قلق مستمر وأسئلة تعينني على عبور نهر الحياة، إن كان هناك فكرة تؤيد عبوره، ولكنني في الكتابة النقدية كنت أسعى لأن أكون منتجاً لنصوص نقدية وليس ناقداً بمعنى الكلمة، أي أعرض رؤيتي للشعر وهواجسه وإشكالاته من خلال عبارات نقدية.

* ركضك الطويل في دروب الشعر، قصائدك، أمسياتك، مقالاتك.. كل هذا الكم من البوح أين مكانه في خارطة تجربتك؟

تشكّل كل هذه الملامح تجربتي بكل أبعادها وتعكس ما كنت أطلق روحي في فضائه من عمر كنت أستر عريه بهذه الملامح وعري الكلمات فيه، فتورّد في المسافات وأشعل دروباً خضراء في تجربتي، ولا يمكنني أن أغفل كل ومضة تعب أو فرح أو سؤال في كل هذه المتاهة الرائعة التي لم أصل إلى نفسي إلا من خلالها.. الكتابة بكل أشكالها والتعب بكل أشكاله والشعر بكل تضاريسه وتفاصيله كان يدفع كل خلية في تجربتي الإنسانية إلى النطق والبوح الذي لا يحده شيء، فكانت الرؤية التي تتجدد الآن في مساحات مختلفة، ولكنها لا تنحرف أبداً عن وعيها الحقيقي وهو الشعور بنبض الإبداع وآلامه الجميلة!

* كيف تقرأ واقع التجربة الشعبية المحلية والخليجية.. ما الذي طرأ وما الذي تغيّر.. وهل هناك تطوّر في القصيدة التي هي محورها؟

شجرة الواقع تكاد تسقط ثماراً غير مناسبة، وتكاد أرض الشعر تتحول إلى ساحة حرب يقودها وعي الشعراء المحدود وتقيدها النظرة الاجتماعية الضيقة، النفس القبلي تسرّى إلى رئة الشعر والإيقاع الرتيب بدأ يغلف خطوات القصيدة، الواقع غير مناسب لمشهد الشعر الداخلي، الأهداف تغيّرت والملامح أيضا النص الواحد غير موجود الآن والتجربة المتفرّدة تغيب، هناك تجربة واحدة فقط نراها في إعلام الشعر، صوت واحد، شاعر ورؤية واحدة فقط، اختفت التجارب ونأى التنوع الإبداعي وسيطرت رؤية واحدة على العقول والقصائد، نكهة الكتابة غابت رائحتها في ظل هذا الدخان المتصاعد من فوهات القصائد الحارقة، التي تظن أن الشعر أداة صيد أو أداة حرب أو وسيلة وصول إلى مكان ما، الشهر ليس كذلك ونحن ليس كذلك، ولذا أصبح الواقع لا يعكس حقيقتنا أو حقيقة الشعر وبراءته.. والشعر الآن انتقل من الذات وتأملاته إلى المجتمع ففقد وعيه في خروجه عن المسار!

* ما الفارق برأيك بين قصيدة التجربة السابقة وقصيدة التجربة الحالية.. وما المؤشر السلبي لهذه المرحلة؟

الفارق يتمحور حول كيفية صياغة كل منهما، الأولى تعتمد على التراكيب الجديدة والصور غير المألوفة، بينما الحالية تبحث عن التميّز في دهشة العبارة، البيت ككل وهي دهشة مؤقتة، تزول بمجرد الانتهاء من ترديد البيت لمرتين أو ثلاث، والسابقة تتناول الرمز مجرّداً من دلالاته الميتة والمحدودة، بينما الحالية توظف الرمز بشكل مباشر وبدون إيحاء يحيط به من خلال المفردات التي تحمله، وهناك أيضاً اعتناء كبير لدى التجربة السابقة الحديثة باللغة المعاصرة.. بينما عادت القصيدة الحالية للغة المستهلكة والمفردات التي لا تمت للواقع اللغوي بصلة، بالإضافة إلى فوارق كثيرة تتعلق بطول القصيدة الزائد عن حده وتكرار المعاني والاستهزاء باللغة الشعرية، أما المؤشر السلبي فيتبيّن من خلال استخدام الشعر كوسيلة للتنافس غير الشريف وأداة للسباق في البحث عن الذات، حتى تحوّل إلى أدوات حرب كما ذكرت.

* هل ترى أن الجرأة في القصيدة الحالية أكثر من السابقة؟

المسألة ليست مسألة جرأة، إنها مسألة تعبير، ورصد للتحولات الإنسانية في علاقتها بالكون والأشياء، والشعر لا يؤدي دور الناقل للقضايا أبداً، هو المتأمل لها وبالتالي لا يحتاج لجرأة أو حرية كما يقال، لأنه ليسن معنياً بالقول بقدر اعتنائه بالتعبير الجمالي.

* ماذا تقول قبل أن نودّعك؟

أقول بأن العودة ستكون عبر فضاء الخزامي التي أتذكر تفاصيل حياتنا الشعرية الأولى بها.

http://www.alriyadh.com/2009/05/15/article429721.html

 
أضف تعليق

Posted by في 19 نوفمبر 2010 بوصة حوارات

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: